فخر الدين الرازي
498
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : المراد من بلوغ النكاح هو الاحتلام المذكور في قوله : وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ [ النور : 59 ] وهو في قول عامة الفقهاء عبارة عن البلوغ مبلغ الرجال الذي عنده يجري على صاحبه القلم ويلزمه الحدود والأحكام ، وإنما سمي الاحتلام بلوغ النكاح لأنه إنزال الماء الدافق الذي يكون في الجماع . واعلم أن للبلوغ علامات خمسة : منها ثلاثة مشتركة بين الذكور والإناث ، وهو الاحتلام والسن المخصوص ، ونبات الشعر الخشن على العانة ، واثنان منها مختصان بالنساء ، وهما : الحيض والحبل . المسألة الثالثة : أما إيناس الرشد فلا بد فيه من تفسير الإيناس ومن تفسير الرشد ، أما الإيناس فقوله : آنَسْتُمْ أي عرفتم وقيل : رأيتم ، وأصل الإيناس في اللغة الأبصار ، ومنه قوله : آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً [ القصص : 29 ] وأما الرشد فمعلوم أنه ليس المراد الرشد الذي لا تعلق له بصلاح ماله ، بل لا بد وأن يكون هذا مراداً ، وهو أن يعلم أنه مصلح لما له حتى لا يقع منه إسراف ولا يكون بحيث يقدر الغير على خديعته ، ثم اختلفوا في أنه هل يضم إليه الصلاح في الدين ؟ فعند الشافعي رضي اللّه عنه لا بد منه ، وعند أبي حنيفة رضي اللّه عنه هو غير معتبر ، والأول أولى ، ويدل عليه وجوه : أحدها : أن أهل اللغة قالوا : الرشد هو إصابة الخير ، والمفسد في دينه لا يكون مصيباً للخير . وثانيها : أن الرشد نقيض / الغي قال تعالى : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [ البقرة : 256 ] والغني هو الضلال والفساد وقال تعالى : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [ طه : 121 ] فجعل العاصي غويا ، وهذا يدل على أن الرشد لا يتحقق إلا مع الصلاح في الدين ، وثالثها : أنه تعالى قال : وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [ هود : 97 ] نفي الرشد عنه لأنه ما كان يراعي مصالح الدين واللّه أعلم . إذا عرفت هذا فنقول : فائدة هذا الاختلاف أن الشافعي رحمه اللّه يرى الحجر على الفاسق ، وأبو حنيفة رضي اللّه عنه لا يراه . المسألة الرابعة : اتفقوا على أنه إذا بلغ غير رشيد فإنه لا يدفع اليه ماله ، ثم عند أبي حنيفة لا يدفع اليه ماله حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة ، فإذا بلغ ذلك دفع اليه ماله على كل حال ، وإنما اعتبر هذا السن لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة ، فإذا زاد عليه سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله عليه الصلاة والسلام : « مروهم بالصلاة لسبع » فعند ذلك تمت المدة التي يمكن فيها حصول تغير الأحوال ، فعندها يدفع اليه ماله ، أونس منه الرشد أو لم يؤنس وقال الشافعي رضي اللّه عنه : لا يدفع إليه أبدا إلا بإيناس الرشد ، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما اللّه . احتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية فقال : لا شك أن اسم الرشد واقع على العقل في الجملة ، واللّه تعالى شرط رشداً منكرا ولم يشترط سائر ضروب الرشد ، فاقتضى ظاهر الآية أنه لما حصل العقل فقد حصل ما هو الشرط المذكور في هذه الآية ، فيلزم جواز دفع المال اليه ترك العمل به فيما دون خمس وعشرين سنة ، فوجب العمل بمقتضى الآية فيما زاد على خمس وعشرين سنة ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى قال : وَابْتَلُوا الْيَتامى ولا شك أن المراد ابتلاؤهم فيما يتعلق بمصالح حفظ المال ، ثم قال : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا ويجب أن يكون المراد : فان آنستم منهم رشدا في حفظ المال وضبط مصالحه ، فإنه ان لم يكن المراد ذلك تفكك النظم ولم يبق للبعض تعلق بالبعض ، وإذا ثبت هذا علمنا أن الشرط المعتبر في الآية هو حصول الرشد في رعاية مصالح المال ، وعند هذا سقط استدلال أبي بكر الرازي ، بل تنقلب هذه الآية دليلا عليه لأنه جعل رعاية مصالح المال شرطا في جواز دفع المال اليه ، فإذا كان هذا الشرط مفقوداً بعد خمس وعشرين